عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
117
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
الشرائع . يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّه وآمِنُوا بِه يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ويُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 31 ) ومَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّه فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ ولَيْسَ لَه مِنْ دُونِه أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 32 ) * ( يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّه وآمِنُوا بِه يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) * بعض ذنوبكم ، وهو ما يكون في خالص حق اللَّه فإن المظالم لا تغفر بالإيمان . * ( ويُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) * هو معد للكفار ، واحتج أبو حنيفة رضي اللَّه عنه باقتصارهم على المغفرة والإجارة على أن لا ثواب لهم ، والأظهر أنهم في توابع التكليف كبني آدم . * ( وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّه فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ ) * إذ لا ينجي منه مهرب . * ( ولَيْسَ لَه مِنْ دُونِه أَوْلِياءُ ) * يمنعونه منه . * ( أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * حيث أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه . أَولَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 33 ) ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 34 ) * ( أَولَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ) * ولم يتعب ولم يعجز ، والمعنى أن قدرته واجبة لا تنقص ولا تنقطع بالإيجاد أبد الآباد . * ( بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ) * أي قادر ، ويدل عليه قراءة يعقوب « يقدر » ، والباء مزيدة لتأكيد النفي فإنه مشتمل على * ( أَنَّ ) * وما في حيزها ولذلك أجاب عنه بقوله : * ( بَلى إِنَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * تقرير للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود ، كأنه صدّر السورة بتحقيق المبدأ أراد ختمها بإثبات المعاد . * ( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ ) * منصوب بقول مضمر مقولة : * ( أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ ) * والإشارة إلى العذاب . * ( قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) * بكفركم في الدنيا ، ومعنى الأمر هو الإهانة بهم والتوبيخ لهم . فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ ( 35 ) * ( فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) * أولوا الثبات والجد منهم فإنك من جملتهم ، و * ( مِنَ ) * للتبيين ، وقيل للتبعيض ، و * ( أُولُوا الْعَزْمِ ) * أصحاب الشرائع اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها ، ومشاهيرهم : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى صلَّى اللَّه وسلم عليهم . وقيل الصابرون على بلاء اللَّه كنوح صبر على أذى قومه ، كانوا يضربونه حتى يغشى عليه ، وإبراهيم على النار وذبح ولده والذبيح على الذبح ، ويعقوب على فقد الولد والبصر ، ويوسف على الجب والسجن ، وأيوب على الضر ، وموسى قال له قومه * ( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ) * ، وداود بكى على خطيئته أربعين سنة ، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة . * ( ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ) * لكفار قريش بالعذاب فإنه نازل بهم في وقته لا محالة . * ( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ ) * استقصروا من هوله مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة . * ( بَلاغٌ ) * هذا الذي وعظتم به أو هذه السورة بلاغ أي كفاية ، أو تبليغ من الرسول عليه الصلاة والسلام ويؤيده أنه قرئ « بلغ » ، وقيل * ( بَلاغٌ ) * مبتدأ خبره * ( لَهُمْ ) * و * ( ما ) * بينهما اعتراض أي لهم وقت يبلغون إليه كأنهم إذا بلغوه ورأوا ما فيه استقصروا مدة عمرهم ، وقرئ بالنصب أي بلغوا بلاغا . * ( فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ ) *